ماكرون يحذّر من عداء أمريكي متواصل, إدارة ترمب تسعى لتفكيك الاتحاد الأوروبي
حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الثلاثاء، من أن ما وصفه بـالتهديدات والترهيب الصادرة عن الولايات المتحدة لم تتوقف، مؤكداً أن السلوك الأمريكي تجاه أوروبا لا يعكس شراكة إستراتيجية بقدر ما يكشف عن عداء سياسي واقتصادي صريح، ومشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تسعى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي بل وحتى تفكيكه.
وجاءت تصريحات ماكرون في مقابلة مطولة مع عدد من وسائل الإعلام الأوروبية البارزة، من بينها صحيفتا فايننشال تايمز ولوموند، حيث دعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى التحرك العاجل من أجل إحداث تغييرات هيكلية عميقة تعزز قدرة التكتل على الصمود الاقتصادي والسياسي، في ظل الضغوط المتزايدة التي يواجهها من الولايات المتحدة من جهة، ومن الصين من جهة أخرى، محذراً من أن التردد أو الاكتفاء بردود الفعل قد يكلّف أوروبا استقلالها الإستراتيجي.
لحظة غرينلاند والتحذير من الخداع الأمريكي
ونبه الرئيس الفرنسي إلى أن التراجع الظاهري في حدة التهديدات الأمريكية الأخيرة تجاه الحلفاء الأوروبيين لا ينبغي أن يُفسر على أنه تحول دائم أو تغيير جذري في الموقف الأمريكي، معتبراً أن هذا الأسلوب يدخل في إطار سياسة الضغط ثم التراجع المؤقت، بهدف إرباك الشركاء الأوروبيين ودفعهم إلى الاعتقاد بأن الخطر قد زال.
وقال ماكرون في هذا السياق:
نحن حاليا في مرحلة أصفها بأنها (لحظة غرينلاند)، حيث نشهد تهديدات وترهيباً واضحين، ثم فجأة تتراجع واشنطن، فنعتقد أن الأزمة انتهت. لا تصدقوا ذلك لثانية واحدة
مضيفاً أن
التهديدات الأمريكية تتجدد بشكل يومي تقريباً، ولا سيما في القطاعات الحساسة مثل الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الرقمية.
رفض الاستسلام وسياسة التسويات الهشة
وعن كيفية التعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، شدد ماكرون على أن أوروبا لا يجب أن تختار طريق الاستسلام أو البحث عن تسويات ظرفية قصيرة المدى، موضحاً أن التجربة أثبتت فشل هذا النهج. وقال:
“
عندما يكون هناك عمل عدواني واضح، لا ينبغي أن نستسلم أو نحاول التوصل إلى تسوية. لقد جرّبنا هذه الإستراتيجية لأشهر طويلة، لكنها لم تنجح.
وأضاف الرئيس الفرنسي أن هناك تهديدات أمريكية شبه يومية ضد الاتحاد الأوروبي، محذراً من إمكانية اتخاذ خطوات عدائية إضافية قد تأتي في شكل فرض رسوم جمركية أمريكية جديدة على الواردات الأوروبية، خصوصاً إذا استخدم الاتحاد الأوروبي قانون الخدمات الرقمية لتنظيم عمل شركات التكنولوجيا العملاقة الأمريكية.
وأكد في هذا الصدد:
ستهاجمنا الولايات المتحدة في الأشهر المقبلة، هذا أمر شبه مؤكد، بسبب التنظيم الرقمي.
الأطفال، المنصات الرقمية، ومعركة السيادة
كما أشار ماكرون إلى أن الولايات المتحدة قد ترد أيضاً على دول أوروبية بعينها، من بينها فرنسا وإسبانيا، بسبب مشاريع قوانين تهدف إلى تقييد وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن هذا الملف سيشكل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة أوروبا على الدفاع عن سيادتها القيمية والتشريعية.
وقال الرئيس الفرنسي:
أن يقول الأوروبيون إن عقول أطفالنا ليست للبيع، وإن مشاعرهم لا ينبغي أن تُستغل تجارياً من قبل منصات أمريكية أو صينية كبرى، فهذا تعبير واضح عن السيادة، وهذه هي أوروبا القوية التي نريد بناءها.
استئناف الحوار مع بوتين دون وصاية أمريكية
وعلى الصعيد الجيوسياسي، أعرب ماكرون عن اعتقاده بأن على أوروبا استئناف الحوار المباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إطار الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي للحرب الدائرة في أوكرانيا، مؤكداً أن القارة الأوروبية لا يمكنها تفويض الولايات المتحدة بشكل كامل لإدارة هذا الملف المصيري.
وقال:
يجب أن يكون من الممكن استئناف الحوار مع روسيا، لأن السلام، عندما يتحقق، سيشمل أوروبا قبل أي طرف آخر
مشيراً إلى أن قنوات الحوار قد أُعيد فتحها بالفعل على المستوى الفني، في خطوة اعتبرها ضرورية لتهيئة الظروف لأي حل سياسي مستقبلي.
وحول ما إذا كان هو الشخص الأنسب للتحدث مع بوتين، شدد ماكرون على ضرورة اعتماد نهج أوروبي منظم ومنسق، مؤكداً أنه لا ينبغي أن يكون هناك عدد كبير من الوسطاء أو المتحاورين، حتى لا تتشتت الرسائل أو تتضارب المواقف.
صدمة اقتصادية مزدوجة تضرب أوروبا
اقتصادياً، أوضح الرئيس الفرنسي أنه سيضغط على زملائه من قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمة خاصة حول التنافسية، من المرتقب عقدها هذا الأسبوع، من أجل تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها، وتقليل الاعتماد الإستراتيجي لأوروبا على كل من الولايات المتحدة والصين.
وقال في هذا الإطار:
نواجه تسونامي صينياً على الجبهة التجارية، وفي الوقت نفسه نواجه حالة من عدم الاستقرار الأمريكي تتغير لحظة بلحظة. هاتان الأزمتان تشكلان صدمة عميقة للأوروبيين، وتفرضان علينا إعادة التفكير في نموذجنا الاقتصادي.
وأضاف ماكرون أن الإستراتيجية الاقتصادية القادرة على تأمين القوة الأوروبية تكمن فيما أسماه الحماية، موضحاً أنها لا تعني الانغلاق أو الحمائية التقليدية، بل تقوم على مبدأ التفضيل الأوروبي في القطاعات الإستراتيجية.
ديون أوروبية مشتركة وصُنع في أوروبا
وجدد الرئيس الفرنسي دعوته إلى إطلاق ديون أوروبية مشتركة لتمويل استثمارات كبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتحول الطاقي، والدفاع، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية لتمكين الاتحاد الأوروبي من التحول إلى قوة اقتصادية عالمية قادرة على منافسة الولايات المتحدة والصين على المدى المتوسط والبعيد.
ومن المنتظر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي، خلال قمة مرتقبة في بروكسل، خططاً تقودها فرنسا لإطلاق إستراتيجية صُنع في أوروبا، والتي تهدف إلى فرض حد أدنى من المحتوى الأوروبي في الصناعات الإستراتيجية، مثل السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والصناعات الكيميائية، في مسعى لتعزيز السيادة الصناعية وتقليص التبعية للخارج.
المصدر:الجزيرة






إرسال تعليق