وليد الركراكي.. حين يُكذب التاريخ ضجيج الإشاعة
في الوقت الذي انشغلت فيه منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام الدولية بالحديث عن نهاية حقبة وليد الركراكي مع المنتخب المغربي، خرج الرد واضحًا وحاسمًا من داخل أسوار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لينفي كل ما راج ويؤكد أن الرجل الذي أعاد رسم خارطة الكرة المغربية، ووضع أسود الأطلس في مصاف أقوى منتخبات العالم، مستمر في مهمته الوطنية.
وحتى لو افترضنا، جدلًا، أن وليد الركراكي غادر منصبه يومًا ما، فإن ما تركه خلفه لن يُمحى، لأن التاريخ في كرة القدم لا يكتب بالنوايا ولا بالشائعات، بل بالأرقام والإنجازات. والتاريخ، حين يكون صادقًا، لا يخذل أصحابه. فالرجل المتوج بجائزة أفضل مدرب في إفريقيا لسنة 2023، سيبقى حاضرًا في الذاكرة الكروية المغربية بالقميص الذي لا يُخلع: قميص التاريخ.
وبعيدًا عن خسارة نهائي كأس أمم إفريقيا على أرض الوطن، يظل وليد الركراكي المدرب الأنجح والأكثر تأثيرًا في مسار المنتخب المغربي منذ الاستقلال. مدرب نقل أسود الأطلس من منطق المشاركة المشرفة إلى ثقافة الإنجاز العالمي، ومن الهامش إلى صدارة المشهد الكروي الدولي.
لقد دوّن وليد الركراكي اسمه بأحرف من ذهب، وجعل بصمته عنوانًا لمرحلة البناء والنهوض بالكرة المغربية، مرحلة تمتد جذورها من فجر الاستقلال، لكنها بلغت ذروة غير مسبوقة في عهده.
مونديال 1970, أول الحضور في المسرح العالمي
سجّل المنتخب المغربي أول ظهور له في نهائيات كأس العالم خلال دورة المكسيك سنة 1970، تحت قيادة المدرب الفرنسي غي كليزو، في محطة تاريخية دشّنت الظهور العالمي الأول لـأسود الأطلس.
شارك المغرب في النسخة التاسعة من المونديال، التي أقيمت ما بين 31 ماي و21 يونيو 1970 بمشاركة 16 منتخبًا، وقدم أداءً مشرفًا ترك انطباعًا إيجابيًا، بفضل أسماء وازنة مثل الحارس علال بن قصو، وأحمد فرس، وإدريس باموس، وسعيد غاندي، ومحمد التيمومي.
وعلى مستوى النتائج، انهزم المغرب أمام ألمانيا الغربية (2-1)، ثم أمام البيرو (3-0)، قبل أن يحقق تعادلًا تاريخيًا أمام بلغاريا (1-1)، مسجلًا أول نقطة في تاريخه المونديالي.
1972, كان, بوابة الظهور القاري
كانت نسخة كأس أمم إفريقيا 1972 بالكاميرون أول ظهور للمنتخب المغربي في البطولة القارية، بقيادة الإسباني سابينو باريناغا، أحد رموز ريال مدريد التاريخيين، والذي لعب الملك الراحل الحسن الثاني دورًا كبيرًا في استقطابه.
ورغم توفر المنتخب على عناصر واعدة يتقدمها أحمد فرس، الذي سجل أهداف المغرب الثلاثة، إلا أن قلة الخبرة القارية حالت دون تجاوز الدور الأول، حيث أنهى المغرب المجموعة بثلاثة تعادلات، وغادر المنافسة مرفوع الرأس.
1976, اللقب اليتيم
يبقى تتويج إثيوبيا 1976 اللحظة الأجمل في تاريخ الكرة المغربية قاريا. هناك، كتب الروماني جورج مارداريسكو السطر الأغلى في ذاكرة “أسود الأطلس”، وقاد جيلًا ذهبيًا ضم أحمد فرس، وبعسيلة، وعبد المجيد الظلمي، لتحقيق اللقب الوحيد في تاريخ المغرب الإفريقي.
وبنظام المجموعة النهائية الرباعية، تصدر المغرب الترتيب برصيد 7 نقاط، متفوقًا على غينيا ونيجيريا ومصر، ليظل هذا الإنجاز علامة فارقة لم تُكرر حتى اليوم.
1986, مكسيكو وحكاية المجد
لا يمكن استحضار تاريخ الكرة المغربية دون الوقوف عند إنجاز خوسيه المهدي فاريا في مونديال 1986. المدرب البرازيلي الأصل قاد المغرب لتصدر مجموعة ضمت إنجلترا والبرتغال وبولندا، في إنجاز غير مسبوق.
وببلوغ الدور الثاني، أصبح المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، قبل الخروج المشرف أمام ألمانيا الغربية، ليُكتب اسم المغرب في سجل الكبار.
من الإخفاقات القارية إلى عودة 2004
رغم خيبة كان 1988 على أرض الوطن، ثم سنوات من التذبذب، عاد المغرب بقوة إلى الواجهة القارية في تونس 2004 بقيادة بادو الزاكي، وبلغ النهائي لأول مرة منذ 1976، قبل خسارته أمام أصحاب الأرض، في محطة أعادت الروح للمنتخب وجماهيره.
قطر 2022, حين صنع وليد الركراكي التاريخ
حين تولى وليد الركراكي تدريب المنتخب قبل ثلاثة أشهر فقط من مونديال قطر، لم يكن كثيرون يتوقعون المعجزة. لكن الرجل فعلها. بإدارة ذكية، وروح قتالية عالية، قاد المغرب لإقصاء إسبانيا وبلجيكا والبرتغال، وبلوغ نصف النهائي، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز.
وبات وليد الركراكي أول مدرب عربي وإفريقي يبلغ المربع الذهبي لكأس العالم، وارتبط اسمه بأعظم إنجاز في تاريخ الكرة المغربية.
ما بعد قطر, أرقام لا تكذب
لم تتوقف الإنجازات عند قطر، إذ قاد وليد الركراكي المنتخب إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بعد غياب 22 عامًا، وحقق المغرب المركز الثامن عالميًا لأول مرة في تاريخه، إضافة إلى تسجيل أطول سلسلة انتصارات في تاريخ كرة القدم الدولية (19 فوزًا متتاليًا)، متجاوزًا رقم إسبانيا القياسي.
وليد الركراكي ليس مجرد مدرب، بل مرحلة كاملة في تاريخ الكرة المغربية. رجل واجه الضغوط، وقاوم الشكوك، ورفع سقف الطموح، وجعل عبارة “ديرو النية” فلسفة أداء لا مجرد شعار.
والذين يؤمنون باستمراره، يؤمنون بأن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.





إرسال تعليق